تمثّل مبادئ داليو عملية استقراء ودراسة معمّقة، لقواعد ونماذج العمل التي تبنتها الإمبراطوريات والدول الكبرى (الأنظمة العالمية) على مر العصور والتي يتكرّر استخدامها إلى يومنا هذا بأشكال وأنماط وأحجام مختلفة، سواء أكانت على مستوى الدول أو حتى على مستوى الشركات العالمية والمحلية.
يسرّنا في هذا المقال الأول من شركة فيزيونير للاستشارات، أن نسلّط الضوء على الخطوط العريضة التي ينبغي للشركات والمشاريع الاستفادة منها، والعمل بموجبها لبناء منظومات ناجحة وقابلة للاستدامة.
كما أننا سنسعى في هذا المقال إلى توضيح عوامل نمو وتراجع الاستراتيجيات الاقتصادية وغير الاقتصادية للدول، حتى نقدّم صورة واضحة للشركات تمكّنها من الاستفادة من هذه الدروس في تطوير استراتيجياتها وخططها المستقبلية، حتى تحقق النمو المنشود.
مبادئ داليو | وصفة سحريّة لاستراتيجية تجارية ناجحة

في ظل المشهد العالمي المتغير بسرعة اليوم، بات من الضروري فهم دورات التغيير الكبرى على مستوى العالم، وتأثيرها العميق على الأنظمة الاقتصادية والسياسية السائدة.
المستثمر الشهير والاقتصادي الخبير راي داليو، مؤسس Bridgewater Associates بريدج ووتر، وهو واحد من أكبر صناديق التحوط في العالم، بحث في أنماط ومبادئ تشكّل الإمبراطوريات والأنظمة الاقتصادية العالمية صعوداً وسقوطاً، على مدار السنوات الـ 500 الماضية، وذلك من خلال كتابه القيّم :
|
مبادئ التعامل مع النظام العالمي المتغير: لماذا تنجح الأمم وتفشل؟ |
Principles for Dealing with the Changing World Order: Why Nations Succeed and Fail? |
استفاد داليو من هذا التحليل المعمَّق، في استنباط تطبيقات مفيدة على مستوى الشركات وصناديق الاستثمار وصُنّاع السياسات، ضمن المشهد الاقتصادي المتقلب اليوم.
كيف تعلّم داليو توقع المستقبل من خلال دراسة الماضي؟

في أثناء شبابه، حصلت كثيرٌ من الأحداث المؤلمة والمفاجئة، أثّرت على الاقتصاد العالمي؛ وقد لاحظ داليو أن تلك الأحداث وقعت مراتٍ عديدة من قبل، ما دفعه إلى دراسة الـ 500 عام الماضية من التاريخ.
بدأت القصة عام 1971، في زمنٍ كان فيه الذهب هو المال الحقيقي، بينما كانت النقود الورقيّة مجرّد أوراق تعكس قيمة الذهب، وكأنها مثل دفتر الشيكات تماماً..
حينها كانت الولايات المتحدة تنفق أموالاً أكثر من الذهب الموجود في بنوكها؛ فبدا أمام الجميع أنها لن تستطيع الوفاء بوعودها لكافة النقود الورقية، وعليه، اندفع كل من يحمل دولاراً لاستبداله قبل نفاد الذهب، حتى أوشك المعدن الأصفر فعلياً على النفاد.
ولتجاوز الأزمة، خرج الرئيس الأمريكي نيكسون بخطاب للأمة، أخبرهم فيه بطريقةٍ دبلوماسية، إخلال الولايات المتحدة بوعدها للسماح بتبادل الدولار بالذهب. وما كان من داليو إلا أن توقُّع انخفاض الأسهم في بورصة نيويورك في اليوم التالي لخطاب الرئيس، ولكنه تفاجأ بالعكس تماماً؛ إذ شهدت البورصة صخباً يدوي في أرجائها بسبب صعود الأسهم بنسبة 25% تقريباً.
هذا الحدث تحديداً، دعا داليو للبحث في التاريخ، ليكتشف أنّه تكرّر عام 1933م، وترتّب عليه النتيجة ذاتها، وهي إعلان الرئيس الأمريكي روزفلت التوقّف عن تبادل الدولار مقابل الذهب.
وعندما حلّل داليو الحالتين، وجد أن قطع الولايات المتحدة ارتباطها بالذهب؛ سمح لها بمواصلة الإنفاق بصورة أكبر، وذلك عن طريق طباعة مزيد من الدولارات، مما أدى لانخفاض قيمتها وارتفاع أسعار كل شيء، بما في ذلك الذهب والأسهم والسلع.
أسباب تحليل داليو لتاريخ الأنظمة الاقتصادية الكُبرى

ثمة 3 أحداث دفعت داليو لتحليل تاريخ الإمبراطوريات والأنظمة الاقتصادية الكبرى من خلال كتابه آنف الذكر..
أوَّلُها :
أن البلدان لم يكن لديها ما يكفي لسداد ديونها حتى بعد انخفاض أسعار الفائدة إلى الصفر، لذا بدأت مصارفهم المركزيّة في طباعة كثير من الأموال للوفاء بالمديونية.
السبب الثاني :
يتمثل في نشأة صراعات داخلية إثر الفجوات المتزايدة في الثروات والقيم، وقد تجلّى ذلك أكثر في صراعات اليمين واليسار السياسيين؛ حيث الاستقطاب من اليسار الذي يريد إعادة توزيع الثروة، يقابله اليمين الذي يريد الدفاع عن أصحابها.
السبب الثالث :
يكمن السبب الثالث الذي دفع داليو لاستقراء ودراسة التاريخ، في تزايد الصراعات بين قوة عظمى صاعدة، وأخرى رائدة، تماماً كما يحدث الآن بين الصين والولايات المُتحدة الأمريكية.
منهجية داليو
نظرات في استراتيجية تحليل التاريخ لإمبراطوريات وأنظمة اقتصادية كبرى
”
لن يكون الأمر دقيقاً، لكنه سيكون إرشادياً بشكل عام
“
هكذا عبّر داليو عن أهمية استقراء ودراسة الفترات الزمنية السابقة من أجل التعرّف على التحديّات التي نواجهها، واتخاذ القرارات السليمة للتنقل في مثل هذه الأوقات بشكلٍ جيّد.
استند داليو في بحثه على تحليل شامل لأكثر من 12 إمبراطورية ونظامٍ اقتصادي عالمي، متتبعاً العوامل التي أسهمت في نموها وتراجعها في نهاية المطاف.
مع تسليط الضوء على الاتجاهات المشتركة والظروف الفريدة لكلّ منها، من خلال فحص أنماط صعود وسقوط الإمبراطوريات والنُّظم الاقتصادية العالمية عن كثب، والتي من بينها الأنظمة الهولندية والبريطانية والأمريكية والصينية.
واعتمد في ذلك على استراتيجية دقيقة مبنيّة على التحليل الاقتصادي، والعوامل الثقافية والاجتماعية، إلى جانب تأثير المنافسات والتحالفات العالمية على ديناميكيات القوة والتحولات في النظام العالمي.
أنماط داليو في صعود وسقوط الإمبراطوريات وأنظمتها الاقتصادية

هكذا عبّر داليو عن أهمية استقراء ودراسة الفترات الزمنية السابقة من أجل التعرّف على التحديّات التي نواجهها، واتخاذ القرارات السليمة للتنقل في مثل هذه الأوقات بشكلٍ جيّد. استند داليو في بحثه على تحليل شامل لأكثر من 12 إمبراطورية ونظامٍ اقتصادي عالمي، متتبعاً العوامل التي أسهمت في نموها وتراجعها في نهاية المطاف. مع تسليط الضوء على الاتجاهات المشتركة والظروف الفريدة لكلّ منها، من خلال فحص أنماط صعود وسقوط الإمبراطوريات والنُّظم الاقتصادية العالمية عن كثب، والتي من بينها الأنظمة الهولندية والبريطانية والأمريكية والصينية. واعتمد في ذلك على استراتيجية دقيقة مبنيّة على التحليل الاقتصادي، والعوامل الثقافية والاجتماعية، إلى جانب تأثير المنافسات والتحالفات العالمية على ديناميكيات القوة والتحولات في النظام العالمي.
يقسم داليو دورات التغيير الكبرى لكل إمبراطوريّة ونظامها الاقتصادي إلى 3 مراحل: الصعود، والقمة، والانحدار..
مرحلة الصعود
يرى أنها مفعمة بالابتكار، والقيادة القويّة، والتوسع العسكري، والنمو الاقتصادي، وتطوير البنى التحتية، وتشجيع الابتكار، والتقدم التكنولوجي، من خلال الاستثمار في التعليم والمساعي الفكرية.
مرحلة القمة
عندما تحلّ هذه المرحلة، تكون السلطة قد توطدت، مع ازدهار ثقافي، واستقرار للحدود؛ فتزيد قوة الإمبراطورية ونظامها الاقتصادي، وتصبح في منأى عن التحديات، فيحدث السلام والازدهار..
ومع الاعتياد عليه، يبدأ الرهان على استمراره باقتراض المال؛ فتحدث فقاعة مالية يزداد على إثرها نصيب الدولة من التجارة، وعندما تُجرى جميع المعاملات التجارية بالعملة المحليّة، تصبح عملة احتياطية وبذلك يزيد الاقتراض.
رخاء متزايد
وعلى الرغم من كل ذلك، يحدث رخاء متزايد، يعقبه توزيع الثروة بشكل غير عادل، فتنمو الفجوة بين الفقراء والأغنياء.
مرحلة الانحدار
المرحلة السابقة هي بداية رحلة الانحدار؛ حيث تنفجر الفقاعة المالية فتبدأ البنوك المركزية في طباعة النقود، ويزيد الصراع الداخلي بين الأغنياء والفقراء، مما يؤدي إلى إعادة توزيع الثروة إما بشكلٍ سلمي، أو على هيئة حرب أهلية.
مبادئ داليو لتحقيق النجاح
تكشف دراسة داليو عن رؤى مهمة يمكن للشركات دمجها في استراتيجياتها وخططها المستقبلية، مثل:
- تعزيز الكفاءة
- الابتكار وأثره في زيادة الإنتاجية...
فعندما تركّز الشركات على رعاية هذه الصفات، فهي بذلك تحافظ على ميزة تنافسية في السوق العالمية.
ويُحذّر داليو من:
- مخاطر الاقتراض المفرط
- وتراكم الديون
لأنه كثيراً ما يؤدي إلى فقاعات مالية وأزمات في نهاية المطاف..
مع التأكيد على أن أساس نجاح الشركات هو أن تكسب أكثر مما تنفق، إلى جانب التعامل مع الآخرين بشكلٍ جيّد، وتعزيز ثقافة الاحترام المتبادل والتفاهم، للتخفيف من حدة النزاعات الداخلية والانقسام.
كيف تستفيد الشركات من مبادئ داليو للنجاح؟
يمكن للشركات الاستفادة من مبادئ داليو لتحقيق النجاح عن طريق التركيز على المحاور التالية:
تبنّي الابتكار والقدرة التنافسية
اِبْقَ في المقدمة، من خلال تعزيز ثقافة الابتكار والقدرة على التكيّف والتعلّم المستمر
تؤكّد دراسة داليو على الحاجة إلى السعي الدؤوب للابتكار والقدرة على التكيف والتعلم، وسيساعدك هذا النهج المستقبلي في تعزيز تصدّر شركتك ضمن التوجّهات والتغيّرات العالمية.
الحفاظ على النزاهة المالية
ممارسة المسؤولية المالية للحفاظ على النمو دون أن تصبح عرضة للركود الاقتصادي
في حديث داليو عن الإدارة المالية، أكّد على أهمية المسؤولية المالية، لذا، عليك تحقيق التوازن الاستراتيجي بين استثماراتك والديون والنمو، حتى تضمن الاستدامة على المدى الطويل.
الاستثمار في الناس والقيم
اِبْنِ تماسكاً داخلياً متيناً؛ من خلال تعزيز العدالة والفرص والأهداف المشتركة.
التعلم من التاريخ
اِستفِدْ من دروس الماضي في التخطيط الاستراتيجي للمستقبل، فالتاريخ يُكرّر نفسه
من خلال الاستفادة من دروس التاريخ، قدّم داليو خارطة طريق لتوقُّع حالات عدم اليقين المستقبلية والتغلب عليها.
”
ومن المرجح أن تزدهر شركتك في حال دمج هذه الأفكار ضمن تخطيطها الاستراتيجي، لاسيما في ظلّ نظام عالمي شديد التغيّر
“
ختاماً
استطاع راي داليو من خلال كتابه "مبادئ التعامل مع النظام العالمي المتغير: لماذا تنجح الدول وتفشل؟"، أن يُقدّم تحليلاً شاملاً لتاريخ صعود وسقوط الإمبراطوريات والنظام الاقتصادي العالمي، من شأنه تقديم رؤى قيّمة للشركات عن المبادئ الأساسية التي تحكم النجاح والفشل بصورة شاملة، وعلى نطاقات متعدّدة.
اليوم في شركة فيزيونير، لنتشارك معاً فهمنا في تطوير استراتيجيات النمو، والتنبؤ بالنتائج المستقبلية، وتحسين مؤشرات الأداء؛ بنائها، ومراقبتها، وتوظيف خبراتنا الإدارية التراكمية على مدار عقود في تطوير برامج الاستدامة، لتحقيق نتائج أفضل في مشاريعك وأعمالك القائمة والجديدة.
تحرير: شركة فيزيونير للاستشارات©
المصدر : Ray Dalio


